الغزالي
59
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
حكاية : سأل أنوشروان العادل يوما وزيره يونان وقال : أريد أن تخبرني بسيرة الملوك المتقدمين ؛ فقال له يونان : تريد أن أمدحهم بثلاثة أشياء أم بشيئين أم بشيء واحد ؟ فقال أنوشروان : امدحهم بالثلاثة ! فقال يونان : ما وجدت لهم في شغل من الأشغال ولا عمل من الأعمال قط كذبا ، ولا رأيت لهم بشيء جهلا ، ولا رأيت لهم في حال من الأحوال غضبا . فقال أنوشروان : امدحهم بالشيئين ! فقال يونان : كانوا دائما يسارعون إلى الخير وعمله ، وكانوا دائما يحذرون من أعمال الشر . فقال : امدحهم بشيء واحد ! فقال : كانت سلطنتهم وجرأتهم على أنفسهم أكثر ممّا كانت على غيرهم . فطلب أنوشروان الكأس وقال : ولهذا الكأس سرور بالكرام الذين يأتون بعدنا ويملكون تاجنا وتختنا ويذكروننا كما نذكر نحن من تقدمنا . وأشقى الناس من اغترّ بملكه وعمر الدّنيا وهو لا يدري كيف ينبغي أن يعيش فيها ، فيعبر دنياه بالتعب ، ويحصل في أخراه بالندم السرمد ، والعذاب المؤبد . وإنّما كان قصد أولئك الملوك واجتهادهم في عمارة الدّنيا ليبقى فيها بعدهم طيب الذكر ، مدى الأيام والدهر ، كما جاء في الحكاية . حكاية : كان لأنوشروان كرم يعرف بهزاركام ، فاجتمع يوما فيه قيصر ملك الروم ويعفورجين ملك هندوستان في ضيافة أنوشروان ، فتكلّم كل واحد منهم بكلمة حكمة ؛ فقال قيصر الروم : ليس شيء في هذه الدّنيا أجود من فعل الخير والاسم الصالح والذكر الطيّب ، فإنه يذكر به صاحبه دائما فيقال بعده : لم لا نكون نحن مثله . فقال أنوشروان : تعالوا حتى نفعل الخير ونتفكّر في الخير . فقال قيصر : إذا تفكّرت في الخير عملت الخير ، وإذا عملت الخير نلت المراد . فقال يعفورجين : أعاذنا اللّه من فكرة إن نحن أظهرناها استحييناها ، وإن ذكرناها خجلنا ، وإن أخفيناها ندمنا . فقال قيصر لأنوشروان : أي شيء أحبّ إليك ؟ قال : أحبّ الأشياء إليّ أن أقضي حاجة من رآني أهلا لقضاء حاجته . فقال قيصر : بل أنا أحبّ أن لا أذنب حتى لا أخاف ملوكا . كان هذا كلامهم . انظر كيف كانت سيرتهم مع رعيتهم يا سلطان الإسلام ؛ فيجب أن تسمع أقوال هؤلاء الملوك ، وتنظر أعمالهم ، وتقرأ حكاياتهم من الكتب وما ينظر فيها من نعت عدلهم وإنصافهم ، وحسن سيرتهم ، وطيب خبرهم وذكرهم الجاري على ألسنة الخلق إلى يوم القيامة . كان لأمير المؤمنين عمر بن الخطّاب - رضي اللّه عنه - من العدل والسياسة